هل تولد اللوحة من فراغ

اشتغل الفنان على مر العصور تقريباً على مثيرين ، الطبيعة وابداعات المحيطين به ، سواءً كانوا من الذين سبقوه أو من عاصروه .
إذن من غير متابعة تجليات الطبيعة واستنطاقها ، ومتابعة ترجمات المبدعين لما يرونه فيها ، وما يرونه في أنفسهم ينسد طريق التجديد ،ولا يبقى أمام الفنان إلا الاجترار والتكرار

ولهذا تعتبر التغذية البصرية والإطلاع على تجارب  الآخرين مثيرات جمالية تعبيرية وقيمة مضافة إلى كنوز الطبيعة.

هل يمكن للفنان إن يتناول موضوع تم التعبير عنه من قبل ؟ 

 لأن اللوحة أين كان مبدعها لا تستطيع أن تعبر عن كل شيء دفعة واحدة ،ولهذا لابأس من العودة إلى نفس الموضوع ...ولكن من زاوية جديدة ،
وذلك لأن الموضوع الواحد قابل للاتساع والتمدد ..إذا ما وجدت الموهبة الحقيقة والخيال المرهف

 ،وهناك فنانين كبار استلهموا أعمالهم  من فنانين سبقوهم ، ولكن بروح الند لا بروح الناسخ .

فعندما تناول بيكاسو لوحة كوربية نائمت السين نقلها من منظور المذهب الطبيعي إلى منظور المذهب التكعيبي فجاءت شيء آخر وأكدت اللوحة انتماؤها إلى بيكاسو

إذن 
لا يوجد  فنان يمكنه أن يعمل من الفراغ، فالعملية الإبداعية تمتد قبل التنفيذ وما بعد التنفيذ وحتى بعد خروجها إلى الوجود في أشكال إبداعية ،
فهي عملية لها أبعادها  المعرفية والإدراكية الوجدانية والادائية التي 
تتم على عدة مراحل 

من هو المبدع وهل ولد مبدع وماهو الفرق بين المبدع وغير المبدع ؟

لا يوجد شخص مبدع وآخر غير مبدع، فالعملية  الإبداعية موجودة لدى الجميع، ولكن الفرق في ان المبدع سبق الآخرين  في سلم الإبداع 
وكرس وقته وجهده  بشكل مستمر في اكتشاف مكامن الإبداع لديه من خلال الاطلاع على التجارب المتراكمة والمعارف الواعية والممارسة العملية   وجمع بين الخيال والتجربة والاختبار. 
حتى وصل إلى مرحلة من  الإلهام  والتبصر والخيال الإبداعي .



الكثير من الفنانين يتأثرون بما يرونه حولهم في الطبيعة وأعمال من سبقوهم ومن عاصروهم  
وهناك شروط موضوعية هي بمثابة معطيات يستعين بها الفنان
في تكوين تصوراته الفنية ومحتوى خبرته الإبداعية  التي تعزز مقومات الخلق والابتكار لديه 

تجعل أعماله ضرباً من المشاركة والممارسة المثمرة  التي في الأخير تؤدي إلى اندماج نتاجه الفني في صميم التراث الجمالي  ولبنة بناء شيدت فوق أعمال من سبقوه. 

كيف تؤثر حركة التاريخ وموضوعتها على الفنان ؟

لا شك  ان أي مبدع  يتأثر بحركة التاريخ بموضوعاته الحياتية ذات العمق الفكري والحضّاري والثّقافي والفلسفي والفني سواءٍ أدرك ذلك ام لم يدرك. 
لانه وبكل بساطة لا يعيش في معزل عن البيئة التي تحيط به ،
حيث يواجه تراث عامراً ومتنوعاً وعريقاً سواءٍ كان ممثلاً في تراثه الوطني  أو التراث العالمي  الإنساني. 

ولهذا 
فهو مطالب بإن يخلق علاقة تشاركية مع التراث الحضاري لبلاده بشكل خاص ومع التراث  الإنساني بشكل عام.
علاقة تشاركية تقام وفق طبيعة تقديرية لكون النشاط الإبداعي  ذاته ذو طبيعة قيمية، (معيارية)، لا يمكن أن يخرج عن هذه القيمة المعيارية  

مفهوم الأصالة والخصوصية 

إن مفهوم الخصوصية والأصالة للفنان لا تكون مع إنكار التجارب السابقة، أو 
نكران التراث وإشاعة النظرة الرافضة له ،
فالتراث يتمثل في عده " نماذج أو أمثال أو نوعاً من الإشارة التي تلهم الفنان وهي 
  عملية توصيلة في الفن عبر الأجيال والعصور وتعد سمه أصيلة في العملية الفنية 


اذن مفهوم الخصوصية والأصالة لا يعني الاجترار والتكرار 
والنسخ وإنما ان يتم إدراك تلك التجارب 
وفهمها وفق مواقف معرفية ووجدانية وذهنية وادائية خاضعة لتصورات  الفنان وأحاسيسه ومشاعره الذاتية التي تتسم بطابعها الفريد، فهو ينقل كما يراه عقله لا كما تراه عينه .


أحمد هادي :
صحفي ومصور فوتوغرافي
يمني مهتم  بالفنون البصرية 



تعليقات

المشاركات الشائعة من هذه المدونة

تجليات الذات في أعمال الفنان التشكيلي السعودي عبده عريشي